المنجي بوسنينة
153
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
وتجربة روحيّة خصبة ، فالفلسفة حوار وجدال ، ومواجهة ، وجوهر الإيمان الفلسفي هو التواصل . والتفتّح على الآخرين إنّما يبدأ حين يفطن المرء إلى ما يسم خبرته من ذاتيّة أصليّة وقيمة جوهريّة بوصفها حقيقة ، فالإنسان يشعر في قرارة نفسه بأنّه وعي وحرية . وهذا الشعور نفسه هو الذي يدفعنا إلى القول بأنّه لن تزول الفلسفة اللّهم إلّا بزوال آخر مخلوق بشري على ظهر هذه البسيطة . وهو يعبّر عن نفسه دائما بالاستشهاد بأقوال فلاسفة الوجوديّة خاصة ما يسمّى الوجوديّة المؤمنة عند كارل ياسبرز ، وجبريل مارسيل وكيركجورد . ونجد في عناوين فقرات خاتمة كتابه ما يؤكّد توجّهه الفلسفي ، فهو يرى « ضرورة » قيام ميتافيزيقا تؤكّد وعي الإنسان وحريّته ، وأنّ الفلسفة رسالة نجاة أو خلاص ، وأنّ كلّ مشكلة بشريّة هي في جانب منها ميتافيزيقية ، وأنّ هناك معرفة وجدانيّة قوامها الإحساس بالقيمة ، والشعور بالتعاطف والمحبّة ، وأنّ أخصب لحظة من لحظات التفكير الفلسفي هي تلك التي يتحقّق فيها التواصل الحقيقيّ بين المفكّرين . وتظهر أخلاق زكريا إبراهيم الوجوديّة في ردّه على مزاعم أصحاب « علم الاجتماع الأخلاقي » الذين حاولوا أن يفصلوا « الأخلاق » عن « الفلسفة » لكي يربطوها بعلم « الاجتماع » ، وحسبنا - كما يقول - أن نرجع إلى ذواتنا لكي نتحقّق من أنّ كلامنا لا بدّ من أن يوجد في هذا العالم مندمجا دائما في موقف خاص ، ويؤكّد أنّ المشكلة الخلقيّة هي أوّلا وبالذات مشكلة شخصيّة تتّصف بالطابع التاريخي الدارمي الذي تتّصف به أيّة خبرة أخرى معاشة . ومن الواضح أنّ كلمته في نظرنا تعبّر عن موقفه ، وأنّ هذا الموقف هو الموقف الوجودي كما يؤكّد في قوله : « ربّما كان من بعض أفضال الفلسفة الوجوديّة على الأخلاق أنّه قد أظهرتنا على ما للعامل التاريخي الدارمي من أهميّة كبرى في كلّ أخلاق فرديّة ، كما ينتقد الأخلاق الاجتماعيّة وينتقد الأخلاق الميتافيزيقيّة التقليديّة من وجهه نظر الوجوديّة . قدّم زكريا إبراهيم العديد من الكتابات الأخلاقيّة ، التي تجعل منه - وهو أستاذ علم الأخلاق - أحد مفكّري العرب البارزين وأكثرهم أهميّة في ميدان علم الأخلاق العربي المعاصر . وهو يوضّح تطوّر كتاباته الأخلاقيّة ، فيذكر أنّه قد تناول الحريّة الأخلاقيّة ، وعلاقة الفكر والإرادة في كتابه « مشكلة الحريّة » ، وناقش مشكلة الشرّ وما يتعلّق بها في « مشكلة الإنسان » ، وتناول « أخلاق الواجب » في « كانط والفلسفة النقديّة » إلى جانب عرض موقف المدرسة الاجتماعيّة الفرنسيّة في المشكلة الخلقيّة في كتابه « الأخلاق والمجتمع » . وقد عرض لبعض الفضائل الخلقيّة مثل : المحبّة والغيريّة والتعاطف في « مشكلة الحبّ » بالإضافة إلى كتابه « مبادئ الفلسفة والأخلاق » مع عدد من المقالات والأبحاث التي تدور حول الأخلاق مثل « عودة إلى مشكلات الأخلاق » ، و « المشكلة الخلقيّة عند الفيلسوف الوجودي » ، بالإضافة إلى تناوله المباحث الخلقيّة المتعدّدة عند الفلاسفة المعاصرين في كتابه « دراسات في الفلسفة المعاصرة » . إنّ موقف زكريا إبراهيم الوجودي لن يفهم إلّا